أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
194
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
ونحوه . وقد صرّح أبو البقاء بأن بعضهم جعل عدوّا مصدرا ، قال في سورة النساء : « وقيل : عدوّ مصدر كالقبول والولوع فلذلك لم يجمع » ، وعبارة مكي قريبة من هذه فإنّه قال : « وإنما وحّد وقبله جمع لأنه بمعنى المصدر تقديره : ذوي عداوة » . ونحوه : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي « 1 » ، وقوله : هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ « 2 » واشتقاق العدوّ من عدا يعدو : إذا ظلم . وقيل : من عدا يعدو إذا جاوز الحقّ ، وهما متقاربان . وقيل : من عدوتي الجبل وهما طرفاه فاعتبروا بعد ما بينهما ، ويقال : عدوة ، وقد يجمع على أعداء . واللام في « لبعض » متعلقة ب « عدوّ » ومقوّية له ، ويجوز أن تكون في الأصل صفة ل « عدوّ » ، فلمّا قدّم عليه انتصب حالا ، فتتعلّق اللام حينئذ بمحذوف ، وهذه الجملة الحالية لا حاجة إلى ادّعاء حذف واو الحال منها ، لأنّ الربط حصل بالضمير ، وإن كان الأكثر في الجملة الاسمية الواقعة حالا أن تقترن بالواو . والبعض في الأصل مصدر بعض الشيء يبعضه إذا قطعه فأطلق على القطعة من الناس لأنها قطعة منه ، وهو يقابل « كلّا » ، وحكمه حكمه في لزوم الإضافة معنى وأنه معرفة بنيّة الإضافة فلا تدخل عليه أل ، وينتصب عنه الحال . تقول : « مررت ببعض جالسا » وله لفظ ومعنى ، وقد تقدّم تقرير جميع ذلك في لفظ « كل » . قوله : « ولكم في الأرض مستقرّ » هذه الجملة يجوز فيها الوجهان المتقدّمان في الجملة قبلها من الحالية والاستئناف ، كأنه قيل : اهبطوا متعادين ومستحقّين الاستقرار . و « لكم » خبر مقدم . و « في الأرض » متعلق بما تعلّق به الخبر من الاستقرار . وتعلّقه به على وجهين : أحدهما : أنه حال . والثاني : أنه غير حال بل كسائر الظروف ، ويجوز أن يكون « في الأرض » هو الخبر ، و « لكم » متعلق بما تعلّق به هو من الاستقرار ، لكن على أنه غير حال ، لئلا يلزم تقديم الحال على عاملها المعنوي ، على أن بعض النّحويين أجاز ذلك إذا كانت الحال نفسها ظرفا أو حرف جرّ كهذه الآية ، فيكون في « لكم » أيضا الوجهان ، قال بعضهم : « ولا يجوز أن يكون « في الأرض » متعلقا بمستقرّ سواء جعل مكانا أو مصدرا « 3 » ، أمّا كونه مكانا فلأنّ أسماء الأمكنة لا تعمل ، وأمّا كونه مصدرا فإن المصدر الموصول لا يجوز تقديم معموله عليه » . ولقائل أن يقول : هو متعلّق به على أنه مصدر ، لكنه غير مؤول بحرف مصدري بل بمنزلة المصدر في قولهم : « له ذكاء ذكاء الحكماء » . وقد اعتذر صاحب هذا القول بهذا العذر نفسه في موضع آخر مثل هذا . قوله : « إِلى حِينٍ » الظاهر أنه متعلق بمتاع ، وأنّ المسألة من باب الإعمال لأنّ كلّ واحد من قوله : « مستقرّ ومتاع » يطلب قوله : « إلى حين » من جهة المعنى . وجاء الإعمال هنا على مختار البصريين وهو إعمال الثاني وإهمال الأول فلذلك حذف منه ، والتقدير : ولكم في الأرض مستقرّ إليه ومتاع إلى حين ، ولو جاء على إعمال الأول لأضمر في الثاني ، فإن قيل : من شرط الإعمال أن يصحّ تسلّط كلّ من العاملين على المعمول ، و « مستقر » لا يصحّ تسلّطه عليه لئلّا يلزم منه الفصل بين المصدر ومعموله والمصدر بتقدير الموصول . فالجواب : أنّ المحذور في المصدر الذي
--> ( 1 ) سورة الشعراء ، آية ( 77 ) . ( 2 ) سورة المنافقون ، آية ( 4 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 164 ) .